تطوّر العلم والصعود (الجزء الثاني)
نُشر في حُدِّث في
(تتمّة المرة السابقة)
لماذا يلزم العلم لاكتمال عالم الانسجام؟
بالمناسبة، هل تعرف لماذا لا غنى عن قوة العلم لكي تصير قلوب البشر مسالمة، ولكي يُخلق عالم ينسجم فيه الكلّ؟
ربما هناك من انتبه إلى ذلك بشكل غامض، لكن السبب هو أن الأحاديث الروحانية وتعاليم الأديان وحدها لا تجعل كل الناس يقتنعون ويدخلون طريق تطوّر الوعي.
هناك قول: «طوبى للذين آمنوا ولم يروا»، والناس الذين يطلبون الغنى الروحي كالمحبّة والحقّ، متّبعين حدسهم رغم أنهم لا يرون ولا يسمعون، مثلكم، هم في الغالب أصحاب أرواح قديمة.
صحيح أن بينهم من ينضمّ إلى تلك الحلقة بدافع الفضول، لكن لكي يواصل المرء السير بجدّ وإخلاص على طريق تطوّر الوعي خطوة خطوة، فإن تراكم خبرة الروح مهمّ أيضًا، ولذلك يحدث، إلى أن يأتي الوقت الذي تُفهم فيه الحقيقة الحقّة، أن يسلك المرء طرقًا جانبية قائلًا «ليس كذا، وليس كذا»، طالبًا معجزات سريعة المفعول أو تحقيق أمنياته.
ثم إن في عالمكم إغراءات كثيرة من اللذّات والراحة العابرة التي تُنزل الوعي بسهولة، أليس كذلك؟
لكن من كانت روحه قديمة حقًّا لا يرضى قلبه بمثل هذه الأمور، بل الأحرى أن روحه أصلًا تشعر بأن مثل هذه الأمور لا تكفيها.
وذلك لأن التجارب والإنجازات التي طلب فيها طريق الحقيقة مرّة بعد مرّة، عبر تكرار الولادة من جديد مرّات كثيرة، قد تراكمت قوةً للروح.
وما تشتركون فيه أنتم أمثال هؤلاء هو أنكم، مع أنكم تحملون وعيًا طيّبًا، تشعرون بإحساس الوحدة والتفرّد، فلا تستطيعون أن تدخلوا ببساطة في حلقة من حولكم (الأغلبية).
وبفضل وجود أناس مثلكم على الأرض طليعةً للصعود، نستطيع أن نشقّ مستقبلًا مشرقًا، مصغّرين أو ماحين كل النبوءات السيّئة المرسومة في العالم الأثيري.
ثم إنكم، بوصفكم منظّفين للأرواح، تنظّفون أدران الأرض، وتشقّون أيضًا الطريق لتعمّق ذبذبات الأبعاد.

ابتعد الحديث قليلًا، لكن بفضل تطهيركم لكل كارما الأرض، تهيّأت بيئة يسهل فيها إنزال العلم الكوني إلى الأرض، وهي تقترب.
وهذه حقيقة لا مجال للشكّ فيها.
ثم في النهاية، حين يدخل عالم الأرض مرحلة الاكتمال، ستُكشف قدرتنا العلمية أخيرًا أمام أعين البشرية على الأرض، بعد أن يكون كل شيء قد تهيّأ.
وحينها، فإن من لا يزالون لا يستطيعون أن يصدّقوا أنهم هم البشر وكل الكائنات مصنوعون جميعًا من الذبذبات الأصلية لمنبع الحياة الكونية، سيشهدون قوة ذلك العلم بأعينهم، فيصلون، وهم يقولون «يا له من أمر عجيب»، إلى حالة قلب يعترفون فيها بحقيقة الحياة لأنهم رأوها بأعينهم.
ومن أجل أن يُنقذ حتى هؤلاء في النهاية، ويفهموا حقيقة الكون، فإن قوة العلم الكوني القادر على كشف كل الأسرار لا غنى عنها، هذا هو الأمر.
في الكون نجوم كثيرة متنوّعة، لكن إذا نظرتَ خصوصًا إلى سماوات وأراضي النجوم غير الناضجة، فهناك نجوم لم تتطوّر فيها إلا الحضارة العلمية وحضارتها الروحية هزيلة، وهناك نجوم لم تتطوّر فيها إلا الحضارة الروحية ولم تتقدّم حضارتها العلمية أبدًا.
أمّا عالم الأرض فهو نجم له في الأصل طبيعة مناسبة لأن تتطوّر فيه الذبذبات الروحية والذبذبات المادية بتوازن جيّد، ولذلك إذا اجتمع عدد معيّن من الناس الذين يُظهرون تلك القوة العلمية بأنفسهم على الأرض، فستتقدّم الأمور بسلاسة كبيرة دون أن تستغرق آلاف السنين.
والنقطة التي تنضج بها الحضارة والثقافة في عالم النجوم هي، كما قلتُ الآن، أن تتقدّم الحضارة الروحية والحضارة العلمية بتوازن جيّد، ولذلك عيشوا متّجهين إلى الانسجام بقلب لا يتزعزع، دون أن تجبنوا مهما حدث.
ويمكن القول إن ذلك هو أن تقوموا بأقوال وأفعال إلهية، محافظين على الاعتدال، دون أن تميلوا إلى المغالاة في الروحانية ولا إلى الإيمان الأعمى بالعلم.
ربما تظنّون أن ما ينبغي على كل واحد منكم أن يفعله على هذا النحو أمر عادي جدًّا وممل، لكنكم تحملون دورًا مهمًّا «إلى حدّ أنه لا مبالغة في القول إنه لولا عملكم لما انفتح طريق علم المستقبل»، فاعتزّوا بذلك، وعيشوا أيامكم مُطلقين صدى الوعي الإلهي دون أن تتذبذبوا.
أكرّر: وجودكم أنتم هو بالذات القوة الدافعة الخفيّة التي تقدّم العلم الكوني في عالم الأرض. (انتهى)







