حديثٌ عن تدريب قدرة الإدراك (الجزء الثاني)
نُشر في حُدِّث في
المقالة السابقة من هذه السلسلة
[blogcard url=”https://ar.ascension21.com/voice-of-brothers-304/”]
(تتمّة المرة السابقة)
★الإدراك هو أساس كلّ شيء
هل فهمت الحديث حتى هنا؟
ما أريد قوله هو أن الآخرين والعالم الذي تراه ليسوا إلّا العالم الذي أدركته أنت، لا أكثر ولا أقلّ.
فالإدراك هو أساس كلّ شيء.
فمثلًا في ما يخصّ البشر، فإن تقييم شخصٍ واحد قد يبدو مختلفًا تمامًا إذا تغيّر الناظر، أليس كذلك؟
فمثلًا، قد يرى أحدهم ذلك الشخص «إنسانًا طيّبًا لطيفًا»، ويراه آخر «جافًّا يصعب الاقتراب منه».
وفي ما يخصّ الصورة الكاملة للعالم، هناك من يُدركه مبتسمًا قائلًا: «ما أمتع هذا العالم وما أملأه بمعنى الحياة!»، وهناك من يُدركه عابس الوجه مقطّب الجبين قائلًا: «ما أصعب العيش في هذا العالم وما أملأه بالعناء!».
وهكذا يتعامل الناس مع الآخرين كما أدركوهم، ويعيشون في العالم كما أدركوه، ويتجادلون ويتخبّطون قائلين «كذا، وكذا، وكيف، وهكذا»، بإدراكٍ من منظورٍ أحاديّ بعيدٍ عن الوقائع الموضوعية.
ثم إن مصير كلّ فردٍ يُصنع على أساس إدراكه هو، ومصير العالم كلّه يُصنع على أساس المتوسّط الجمعي لإدراك كلّ فرد.
ثم إذا أردت أن تُغيّر «زاوية إطلاق الوعي وبُعده» التي تحدّثت عنها في البداية، فالأفضل أن تفعل ذلك بعد أن يدخل وعيك المجال الإلهي دخولًا دائمًا.
لأن الوعي إذا توقّف في الطبقات البُعدية التي في الطريق (العالم الروحي أو العالم الأثيري) لم يستطع أن يُدرك الصورة الكاملة للأمور، أليس كذلك؟
فلكي ترى الصورة الكاملة للآخرين والعالم، لا بدّ أن يكون قلبك دائمًا في حدود الوعي الإلهي.

★طريقة تدريب قدرة الإدراك
والطريقة لذلك هي التنفّس العميق المعهود في كلّ مرّة، فما دام تنفّسك هادئًا دائمًا، يصير وعيك مقيمًا في المجال الذبذبي الإلهي في غفلةٍ منك وبشكلٍ طبيعي، دون أن تجتهد في تغيير نفسك قسرًا بقوّة الإرادة، ودون أن تيأس على العكس من ضعف قدرتك على الفعل.
وهذا لا سبيل إليه إلّا أن تتّخذ قلبك وجسدك حقل تجربة، فتشعر به وتستشعره بنفسك.
فمهما أكثرت من الكلمات، فليست إلّا إصبعًا يُشير إلى الطريق، ولذلك الأفضل أن تجرّبه فعلًا بنفسك، وتعيشه تجربةً.
فلا تكتفِ بالنظر إلى طرف الإصبع المُشير، بل حين تبدأ فعلًا بالمشي تقترب من تلك الحال.
ولذلك فالخلاصة: لكي تُدرّب قدرة الإدراك، وترى الصورة الكاملة لهذا العالم من عالمٍ يتجاوز الخير والشرّ والصواب والخطأ، لا سبيل إلّا أن تجعل تنفّسك المعتاد بطيئًا.
فحين تُقلّب الأفكار في ضيقٍ وأنت تُعمل فكرك قائلًا «ليس هذا ولا ذاك»، قد يظنّ صاحبها أنه يُدرّب قدرة الإدراك، لكنه في الحقيقة يصعب عليه أن يتقدّم.
المهمّ أن تُحيي نفسك من جذورها بوصفك وجودًا إلهيًّا.
والطريقة لذلك أيضًا أن تُحصّل التنفّس العميق في قلبك وجسدك، فهو يُواصَل بلا تكلّف، ودون أن يُولّد احتكاكًا مع الآخرين، ولذلك نوصي به أوّلًا قبل كلّ شيء.
ثم لذلك نقول إن من الجيّد أن تجتهد في رؤية الصورة الكاملة للآخرين والعالم حين تكون في حالة وعيٍ ساكن بالتنفّس العميق.
فهذه الطريقة يمكن إنجازها بقوّة حياتك وحدها، دون الاعتماد على أحد، ولذلك تستطيع أن تدفع تطوّر وعيك على إيقاعك الخاصّ، دون أن تعترضك أفكارٌ شاردة زائدة، ودون أن يتحكّم فيك أحدٌ أو شيء.
وبينما تفعل ذلك، تصير تفهم إلى أيّ حدٍّ كان إدراكك الماضي إدراكًا أحاديًّا مجتزأً ناقصًا.
ثم حين تبلغ المرحلة التالية، عندئذٍ فقط تصير قادرًا على أن ترى كلّ شيءٍ من منظور الوسط والاعتدال، الذي لا يأسره شيءٌ ولا أمر، قائلًا: «آه، لم يكن في كلّ الأحداث ولا في العلاقات الإنسانية شيءٌ حسنٌ أو سيّئ، بل كان كلّه أحداثًا حتمية في حينها».
هيّا، جرّب منذ اليوم.
فإن واظبت دون كللٍ ولا فتور ودون يأس، فستبلغ حتمًا الوعي الكوني الذي ينظر إلى الأرض من المجال الذبذبي الإلهي.
وأقولها لك مسبقًا: «مبارك، لقد تذكّرت أخيرًا».
فقد كنت في الأصل في تلك الحال. (انتهى)







