كيف تتخلّى عن الذكريات فتفتح المستقبل – 4
نُشر في حُدِّث في
(تتمّة المرة السابقة)
لنعرف «الآن» الحقيقي، ولنُدِر وعينا عن وعي
والآن، لنبدأ تتمّة الحديث.
لقد وصلنا إلى: «إن الذكريات بياناتٌ مخزّنة يستعملها الوعي، وليست هي أبدًا جوهر الإنسان. ولذلك أريدك أن تستوعب ذلك في أعماقك، فتصير قادرًا على أن ترى الذكريات منفصلةً عن ذاتك»، أليس كذلك؟
فعلى أساس الحديث حتى الآن، أغمض عينيك وانظر من علٍ إلى طريقة عيش أهل الأرض حتى الآن، متأمّلًا فيها.
ماذا ترى؟
هل استطعت أن تفهم فهمًا ينفذ إلى العظم إلى أيّ حدٍّ كانت ذكريات الجسد الملتصقة به تتلاعب بالبشر على الأرض، فلم يعودوا يرون الصورة الحقيقية للحياة؟
والآن، إلى صلب الموضوع.
إن أوّل أساسٍ للتخلّي عن الذكريات وشقّ مستقبلٍ مشرق، هو أن تعرف «الآن» الحقيقي، وأن تُدير وعيك عن وعي.
وعجز أهل الأرض عن ذلك بالذات هو أوّل سببٍ لتكرارهم تاريخًا تعيسًا آلاف السنين وعشرات الآلاف منها.
فيأتي إذن السؤال: «ما هو الآن الحقيقي؟».
إن الذين استمعوا إلى أحاديثنا مرّةً بعد مرّة يستطيعون بالفعل أن يرسموا في أذهانهم بوضوح ما هو الآن الحقيقي وما ليس كذلك، لكن من أجل من ليس كذلك، لنراجعه هنا مرّةً أخرى.
إن الآن الحقيقي هو ما تُفكّر فيه أنت تجاه «أقوال البشرية وأفعالها وظواهرها المتنوّعة» التي تبدو كأنها تحدث الآن.
أمّا ما ليس الآن الحقيقي، فهو «الماضي الذي كنت تظنّه الآن»، من قبيل: ما حدث في ساعة كذا ودقيقة كذا وثانية كذا، وما قاله لك فلان، وما فعلته أنت.

كما أن البذرة المزروعة تُزهر حتمًا أو تُثمر
إن أقوال البشرية وأفعالها وظواهرها المتنوّعة التي تتكشّف في العالم الجسدي هي، إن صحّ القول، كـ«الفيلم الذي يُشاهد في دار السينما».
فالذي يُعرض على الشاشة حينئذٍ هو صور شريطٍ صُوّر في نقطةٍ ما من الماضي، أليس كذلك؟
فأنت تشاهد ما لا يحدث في الوقت الحقيقي وأنت تعرف ذلك، أليس كذلك؟
لكن الإنسان لا يستطيع أن يُفكّر هكذا تجاه العالم الذي يُحسّه بحواسّه الخمس، فيُفكّر: «الآن الأمر عصيب»، «الآن عوملت معاملةً سيّئة»، «الآن وقع زلزال»، «الآن يتساقط ثلجٌ كثيف»، «الآن شبّ حريقٌ في مكانٍ ما»، «الآن وقع حادث مرورٍ أمام المحطّة».
وأقولها مرّةً بعد مرّة: إن «ذلك الآن» الذي تظنّونه الآن ليس هو الآن الحقيقي.
بل هو صورٌ صنعتها البشرية بالأسباب والنتائج من الحيوات السابقة إلى الحاضر.
إنه في الحقيقة ماضٍ.
ولماذا يظهر الماضي الآن، تسأل؟
نعم، سؤالٌ جيّد.
ذلك لأن كلّ مصيرٍ يتكوّن بتراكم أفكار البشرية الماضية وكلماتها وأفعالها.
وذلك كمن يزرع بذرة نبات، فإذا أُعطيت غذاء الشمس والماء، أزهرت أو أثمرت.
فكلّ الأفكار والأقوال والأفعال التي تُطلقها البشرية في هذه اللحظة الآن هي بالذات البذور التي تصنع مستقبل الأرض.
هل تفهم؟
إن كلّ ما يحدث في «هذا الوقت الآن الذي تُشير إليه عقارب الساعة»، الذي تظنّونه الآن، هو صورة البذور التي زُرعت في الماضي وقد أزهرت وأثمرت.
(يتبع في المرة القادمة)







